السيد كمال الحيدري

324

أصول التفسير والتأويل

عن المادّة ، أمّا على الورق فهي في درجة وجودية أُخرى . كذلك الأمر في قوس الصعود من هذا العالم إلى العوالم الأُخرى ، يقول الله سبحانه : يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ إِنَّكَ كادِحٌ إِلى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلاقِيهِ ( الانشقاق : 6 ) ، كما يقول : إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ ( فاطر : 10 ) ، فليس معناه أنّ الإنسان إذا صعد مرتبة وجودية فقَدَ مرتبته السابقة ، كلّا ، هذا صعود على نحو التجلّى كما أنّ ذاك تنزّل على نحو التجلّى أيضاً . وبهذا يتبيّن خطل التصوّر الذي يظنّ أنّ آية وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ تحتاج إلى صرف عن ظاهرها ، فإنّ الحديد شئ ومن ثمّ فله خزائن كما تنصّ الآية صراحةً ، لكن من البديهي أنّ خزائن الحديد عند الله لا تحوى الحديد على النحو الذي يتداوله الإنسان على الأرض ، بل هو هناك بنحو من الوجود وعلى الأرض بنحو آخر ، وتلك حقيقة وهذه حقيقة أُخرى . نخلص في خاتمة هذه النقطة إلى أنّ التنزيل في الآية الكريمة وما ننزلة هو ليس التنزيل على نحو التجافي ، بل هو التنزيل على نحو التجلّى ، وفيه لا يفقد الشئ مرتبته العالية بحضوره في مرتبة وجودية أُخرى . تقول الآية أيضاً : وَما نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ . من المباحث القرآنية المهمّة أنّ الشئ كلّما « تنزّل » أي ترتّب في مراتب الوجود من الأعلى إلى الأسفل في نطاق المراتب الطولية للوجود ، تزداد قيوده ، فكلّما ابتعد عن مصدر الكمال المطلق المتمثّل بالحقّ سبحانه كثرت حدوده وزادت نقائصه وقلّت كمالاته ، فإذا كان في أوّل تنزّله فسيكون فيه نحو من الحدّ ، ثمّ إذا صار في التنزّل الثاني كثر الحدّ وهكذا . نقطة المعيار في هذه الملاحظة هي الاقتراب من مصدر الكمال سبحانه والابتعاد عنه ، فالشىء عند الله مستقرّاً في خزائنه يكون غير مقدّر بقدر ولا